دلــيـــــــل المواطــــــــــــن الصحفي

هذا الكتيّب

guide_journalisme

هذا الكتيّب هو عبارة عن دليل بيداغوجي مبسّط  يجمع بين النّظري والتقني والتطبيقي، ويسلّط الضّوء على صحافة المواطن ويحيط بها من كلّ جوانبها بدءا بالتعريف بها وتفكيك السياق التاريخي لظهورها، مرورا بخصائصها وتقنياتها وأشكالها، وصولا الى المعايير التحريرية والاخلاقية التي يتوجّب على المواطن الصحفي التحلّي بها خلال مباشرته لهذا النشاط المدني. 

وتكمن أهميّة هذا الكتيّب في قدرته على الاجابة على أغلب الأسئلة التي قد تدور في ذهن كلّ مواطن(ة) يرغب في وُلوج عالم صحافة المواطن والتدوين والإعلام البديل بشكل عام.

 

 ولا يكتفي الدّليل بتقديم لمحة نظرية وأكاديمية عن صحافة المواطن وتاريخيّتها بل يتجاوز ذلك ليغوص في ثنايا تقنيات التحرير وصناعة المحتوى، والأشكال التحريرية التي يمكن أن يتّخذها المحتوى، وكيفيّة بثّ وترويج المحتوى، والمعايير التحريرية والأخلاقية لصحافة المواطن، بالإضافة إلى ميثاق شرف  المواطن الصحفي وهو عبارة عن مخرجات ورشة عمل تفاعلية جمعت عددا من المواطنين الصحفيين تحت إشراف مركز تطوير الاعلام وأفرزت صياغة ميثاق هو الأوّل من نوعه في تونس. 

 

حاولنا ، قدر الإمكان، خلال إنجاز هذا الدليل، اجتناب السقوط في العموميات والاكتفاء بتقديم مادّة مقتضبة ولكنّها تتطرّق مباشرة الى أصل الموضوع وتحيط به من كلّ جوانبه حتّى لا يجد المواطن الصحفي نفسه تائها بين دروس نظرية لن تزيد سوى في حيرته. وقد ذيّلنا هذا الكتيّب بمجموعة من المراجع والوثائق البيداغوجية التي من شأنها مزيد انارة سبيل المنتفعين بهذا الدّليل وتعميق معارفهم اكثر فأكثر. 

"أعتقد أنّ أولئك الذين يكرّسون أنفسهم لتكون لهم سمعة حسنة فيما يخصّ الحصول على الخبر الصّحيح والحصول عليه أوّلا، لا يحتاجون بالضرورة أن يشتغلوا لحساب الواشنطن بوست أو النيويورك تايمز".
هاوورد راينغولد
"انّ فكرة صحافة المواطن تتحقّق عندما يستخدم عامّة الناس المعروفون بالجمهور الأدوات الصحفية التي بحوزتهم ليخبروا أناسا آخرين بأحداث مهمّة، تلك هي صحافة المواطن
دجاي روسن
"الفكرة من وراء صحافة المواطن هي امكانية استخدام الأدوات التكنولوجية الحديثة وشبكة الإنترنت العالمية من طرف من ليس لهم أيّ تكوين صحفي مهني (بمفردهم أو بالتعاون مع الآخرين) وذلك بهدف الابتكار وتحقيق الاضافة والتثبت ممّا يبثّه الاعلام"
مارك غلايسر
"مواطن أو مجموعة مواطنين يلعبون دورا حيويّا في عملية تجميع، تغطية وتحليل ونشر الأخبار والمعلومات. والغرض من هذه المشاركة هو تقديم معلومات مستقلة، معتمدة، صحيحة، متنوّعة ومناسبة. معلومات تتطلّبها روح الدّيمقراطية.
بومان و وليس

مقدّمة لابدّ منها

يوما بعد  يوم، يفقد الإعلام التقليدي سلطته على الجمهور وتتراجع قدرته على توجيه الرأي العام بسبب دخول الإعلام الجديد على خطّ الأحداث بكلّ ما يختزنه من تقنيات جديدة وسرد بصري جذّاب وتفاعلية ممتعة تقطع مع السّرد العمودي الأحادي للأحداث. 

 

هذا العالم السّردي الجديد متّسق تمام الاتّساق بتطوّر الويب وكسرِهِ لمعاهدة (صانع المحتوى/مستهلك المحتوى) التي سيطرت على العلاقة بين وسائل الإعلام والجمهور لعقود من الزّمن.  

 

وإذا كان لابدّ من اختزال مفهوم الميديا الجديدة في عبارة واحدة فهي -حسب وجهة نظرنا – تتمثّل في « انفجار المحتوى ». والانفجار، هنا، يتعلّق أساسا بمسار صناعة المحتوى contenu / content وترويجه وطبيعة العلاقة القائمة بين « صنّاعه » و »مستهلكيه » وقنوات ترويجه.

 

فالميديا الجديدة (الاعلام الجديد) هدمت كلّ هذه المصطلحات وفجّرت العلاقة  العمودية الاحتكارية التي ظلّت على مدى عقود من الزمن تمنح لصنّاع المحتوى créateurs de contenus اليد الطّولى لاحتكار صفة « الباث » وبالتالي السيطرة على مسار المحتوى منذ اختيار فكرته وترتيب أولوياته الى حين بثّه لـ »المتلقّي » الذّي يستهلكه بشكل سلبي أو في أحسن الأحوال يتفاعل معه بشكل جزئي دون القدرة على تعديل المحتوى أو التدخّل في مسار انتاجه وترويجه.

 

الى هذا المستوى يلُوحُ عنصر التفاعلية interactivité عنصرا محوريا في عالم الميديا الجديدة، حيث يمتزج « الباثّ » بـ »المتلقّي » وتتعدّد قنوات الاتصال بينهما وتندمج لتنتج وفق هذه الرؤية الميدياتيكية الجديدة عالما سرديا Univers narratif متعدد الوسائط والأبعاد. 

 

لا يمكن الحديث عن ميديا جديدة، وبشكل خاصّ عن عالم الويب التفاعلي 2.0، دون المرور بصحافة المواطن التي كانت سببا مباشرا في « تثوير » الميديا وإعطاء أبعاد متعدّدة للمحتوى وتحريره من قيود الاتّصال الخطّي (باثّ،  رسالة، متلقّي).

 

هذا النوع من الصحافة، ان صحّ اعتماد مصطلح صحافة، خلق مسارات علائقية دائرية معقّدة ومتشعّبة بين مختلف المتدخلين في عملية إنتاج المحتوى وترويجه واستهلاكه، وقطع مع ثنائية الباث الاحتكاري والمتلقّي السلبي.

 

وتضع صحافة المواطن الميديا الاجتماعية social media / médias sociaux في مرتبة متقدّمة تتيح لها لعب دور رئيسي أو تكميلي في المسار السردي، ما يضفي على المحتوى بُعدا اجتماعيا يتأتّى أساسا من تشريك الأفراد والجماعات الافتراضية في مسار السرد وإدماجهم في العالم السردي بصفتهم شركاء في السرد لا مجرّد مستهلكين سلبيين. 

 

وبالرّغم من سهولة إيجاد موطئ قدم في الميديا الاجتماعية (فايسبوك، تويتر، يوتيوب، فليكر، انستجرام، منتديات، غرف دردشة، مدوّنات الخ) الّا أنّ المؤسسات الصحفية التونسية والعربية عموما مازالت لم تبلغ مستوى التوظيف الجيّد لهذه الميديا في إطار استراتيجية « ترانس ميديا » متكاملة، حيث تكتفي هذه المؤسسات بنشر مضامينها الصحفية كما هي على الفيسبوك ووضع روابط موادّها السمعية البصرية والمكتوبة على تويتر أو في أحسن الأحوال إجراء سبر آراء وجمع شهادات لاستغلالها في تأثيث برنامج ما أو كتابة تحقيق أو روبورتاج حول ظاهرة ما في المجتمع. 

 

من الويب التفاعلي وُلدت صحافة الجمهور أو ما يعبّر عنها اصطلاحا بصحافة المواطن بصفتها أحد تمظهرات الإعلام الجديد. وهي لا تعوّض الصحافة التقليدية بقدر ما تنافسها مستفيدة من عامل القرب، بل وتكمّلها وتكون لها مصدرا أوّليا للمعلومة في أوقات كثيرة. 

 

ويمكن القول انّ صحافة المواطن ترتكز أساسا على ثلاث نقاط :

 1- اعتبار شبكة الإنترنت فضاء رئيسيا للنشر والتعبير عن الرأي والتفاعل مع المجتمع والسلطات.

 2- العمل على دفع المواطن للمشاركة في قضايا الشأن العام ودعم الممارسة الديمقراطية والدفاع عن القيم الكونية لحقوق الإنسان.

 3- النأي بمخرجات صحافة المواطن عن كلّ توظيف تجاري أو مصلحيّ  ضيّق واعتباره امتدادا لرسالة الإعلام البديل.